محمد بن جرير الطبري
93
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
تقول : جفأت القدر أجفؤها : إذا أخرجت جفاءها ، وهو الزبد الذي يعلوها ، وأجفأتها إجفاء لغة . قال : وقالوا : جفأت الرجل جفأ : صرعته . وقيل : فَيَذْهَبُ جُفاءً بمعنى جفئا ، لأنه مصدر من قول القائل : جفأ الوادي غثاءه ، فخرج مخرج الاسم وهو مصدر ، كذلك تفعل العرب في مصدر كل ما كان من فعل شيء اجتمع بعضه إلى بعض كالقماش والدقاق والحطام والغثاء ، تخرجه على مذهب الاسم ، كما فعلت ذلك في قولهم : أعطيته عطاء ، بمعنى الإعطاء ، ولو أريد من القماش المصدر على الصحة لقيل : قد قمشته قمشا . القول في تأويل قوله تعالى : لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ . . . وَبِئْسَ الْمِهادُ يقول تعالى ذكره : أما الذين استجابوا لله فآمنوا به حين دعاهم إلى الإيمان به وأطاعوه فاتبعوا رسوله وصدقوه فيما جاءهم به من عند الله ، فإن لهم الحسنى ، وهي الجنة . كذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وهي الجنة . وقوله : وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ يقول تعالى ذكره : وأما الذين لم يستجيبوا له حين دعاهم إلى توحيده والإقرار بربوبيته ، ولم يطيعوه فيما أمرهم به ، ولم يتبعوا رسوله فيصدقوه فيما جاءهم به من عند ربهم ، فلو أن لهم ما في الأرض جميعا من شيء ومثله معه ملكا لهم ثم مثل ذلك وقبل ذلك منهم بدلا من العذاب الذي أعده الله لهم في نار جهنم وعوضا لافتدوا به أنفسهم منه ، يقول الله : أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ يقول : هؤلاء الذين لم يستجيبوا لله لهم سوء الحساب : يقول : لهم عند الله أن يأخذهم بذنوبهم كلها ، فلا يغفر لهم منها شيئا ، ولكن يعذبهم على جميعها . كما : حدثنا الحسن بن عرفة ، قال : ثنا يونس بن محمد ، قال : ثنا عون ، عن فرقد السبخي ، قال : قال لنا شهر بن حوشب : سُوءُ الْحِسابِ أن لا يتجاوز لهم عن شيء . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : ثني الحجاج بن أبي عثمان ، قال : ثني فرقد السبخي ، قال : قال إبراهيم النخعي : يا فرقد أتدري ما سوء الحساب ؟ قلت : لا ، قال : هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر له منه شيء . وقوله : وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ يقول : ومسكنهم الذي يسكنونه يوم القيامة جهنم . وَبِئْسَ الْمِهادُ يقول : وبئس الفراش والوطاء جهنم ، التي هي مأواهم يوم القيامة . القول في تأويل قوله تعالى : أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى يقول تعالى ذكره : أهذا الذي يعلم أن الذي أنزله الله عليك يا محمد حق ، فيؤمن به ويصدق ويعمل بما فيه ، كالذي هو أعمى فلا يعرف موقع حجة الله عليه به ولا يعلم ما ألزمه الله من فرائصه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا إسحاق ، قال : ثنا هشام ، عن عمرو ، عن سعيد ، عن قتادة في قوله : أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ قال : هؤلاء قوم انتفعوا بما سمعوا من كتاب الله وعقلوه ووعوه ، قال الله : كَمَنْ هُوَ أَعْمى قال : عن الخير فلا يبصره . وقوله : إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ يقول : إنما يتعظ بآيات الله ، ويعتبر بها ذوو العقول ، وهي الألباب ، واحدها : لب . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ . . . أَنْ يُوصَلَ يقول تعالى ذكره : إنما يتعظ ويعتبر بآيات الله أولو الألباب الذين يوفون بوصية الله التي أوصاهم . وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ولا يخالفون العهد